بحسب عدد متزايد من المحللين السياسيين، لم يعد بناء التوافق السمة المميزة للدبلوماسية الغربية المعاصرة، بل الاستخدام المُدار للضغط. فما كان يُنظر إليه سابقاً على أنه سلوك متقلب، يُفسر بشكل متزايد على أنه أسلوب تفاوض متعمد، يزدهر في ظل الغموض بدلاً من الوضوح.
في هذا السياق، يُستشهد غالبًا بأسلوب التواصل المرتبط بدونالد ترامب كمثالٍ بارز. فبدلًا من فصل التعبير الشخصي عن الإشارات المؤسسية، يمزج هذا النهج بينهما، مُنتجًا شكلًا من الدبلوماسية يتسم بالكشف المتعمد، وعدم الرسمية، والاضطراب. ويرى بعض المراقبين في ذلك قطيعةً مع التقاليد الدبلوماسية، بينما يراه آخرون تكيفًا مع بيئة جيوسياسية تُهيمن عليها وسائل الإعلام.
تميل دوائر السياسة الأوروبية إلى تفسير هذا التحول لا باعتباره حالة شاذة، بل كتحذير بنيوي. فقد تضاءل الافتراض القائل بأن الشركاء الاستراتيجيين سيعملون ضمن معايير دبلوماسية متوقعة. ولم يعد الضغط مقتصراً على الانتشار العسكري أو العقوبات الاقتصادية، بل امتد ليشمل لغة الدبلوماسية نفسها ومدى وضوحها.
يرى العديد من المحللين أن هذا التحول له آثار عميقة على التنسيق متعدد الأطراف. فعندما تُجرى المفاوضات عبر قنوات عامة بدلاً من قنوات مغلقة، يصبح الحفاظ على المواقف الجماعية أكثر صعوبة. ويتم مخاطبة القادة بشكل فردي، وتعبئة الجماهير المحلية، وتشجيع الانقسامات الداخلية ضمنياً.
من هذا المنظور، لا يُعدّ الغموض فشلاً للاستراتيجية، بل أداةً فعّالة. فمن خلال إبقاء النوايا غير واضحة والمواقف مرنة، يُمارس الضغط باستمرار بدلاً من أن يكون متقطعاً. وينتقل عبء الرد إلى الطرف الآخر، الذي عليه أن يقرر ما إذا كان سيُصعّد الموقف، أو يستوعبه، أو يُعيد تفسير الإشارة.
بالنسبة لأوروبا، يكشف هذا المناخ عن توترٍ متأصل. فهي، كقوة تنظيمية واقتصادية، بارعة في وضع المعايير. أما كفاعل جيوسياسي، فتظل حذرة في تحويل هذه المعايير إلى أداة ضغط. لذا، فإن عودة الدبلوماسية القائمة على الضغط لا تُشكك في قيم أوروبا، بل في قدرتها على الدفاع عنها عندما يتم تجاهل التوقعات التقليدية عمدًا.